محمد بن سلام الجمحي

457

طبقات فحول الشعراء

قالوا : نصيبك من أجر ! فقلت لهم : * كيف العزاء وقد فارقت أشبالى ؟ " 1 " فارقتني حين كفّ الدّهر من بصرى ، * وحين صرت كعظم الرّمّة البالي " 2 " أمسى سوادة يجلو مقلتى لحم * باز يصرصر فوق المربأ العالي " 3 "

--> ( 1 ) ديوانه 430 ، ( 584 ) ، والكامل 1 : 130 ، وترتيب أبيات هذه الرواية مضطرب . " نصيبك " بالنصب ، حذف الفعل لدلالة الكلام عليه ، أي أحرز نصيبك من الأجر بالصبر على رزيئتك . العزاء : الصبر عن عزيز مفقود . الأشبال جمع شبل : وهو ولد الأسد إذا أدرك الصيد واستمر مريره . ( 2 ) كف من بصره : غض منه وأضعفه وذهب ببعضه ، لم يرد العمى . الرمة : ما يبقى من الإنسان بعد موته ، هكذا ينبغي أن يفسر هنا . وأهل اللغة يقولون : الرمة ، العظام البالية . يذكر فراق ولده له وقد أسن وضعف . ويروى : " فارقني " وهي جيدة . ( 3 ) جلى الصقر والبازي ببصره ( بتشديد اللام ) : إذا آنس الصيد فرفع طرفه ورأسه . فقول جرير " يجلو مقلتى " ، أراد " يجلى بمقلتى باز " ، فرده إلى الثلاثي ، ثقة بعربيته وعربية سامعه ، وشبه عينيه بعيني الصقر في صفائهما وقسوتهما ونفاذهما . والمقلة : شحمة العين التي تجمع السواد والبياض . وباز لحم : يشتهى اللحم ويقرم له . والبازي : صقر شديد يصاد به . انظر صفته في رقم : 48 ، والتعليق عليه . وصرصر البازي : صوت ومد صوته ورجعه ، وذلك عند انقضاضه للصيد ، كأنه فرح فصرصر . والمربأ : منارة عالية للبازى يشرف عليها ليرقب الصيد ، من قولهم : " ربأ لنا فلان " : إذا أشرف على قنة جبل ، فكان رقيبا ينظر ويحرس ، وهو ربيئة للقوم : حارس . وهذه رواية الأغانى ، وابن سلام ، في هذا الموضع عن بشار . وستأتي رواية أخرى في رقم : 631 . ورواية الكامل : " هذا سوادة " ، وهي أجود من هذه الرواية ، وإن كان علي بن حمزة قد رد هذه الرواية في التنبيهات على أغاليط الرواة : 113 ، وقال : " إنما الرواية : ذا كم سوادة ، لأنه مفقود ، و " هذا " إشارة إلى موجود " ، وهو نقد ضعيف . وأجودهن جميعا رواية الديوان " لكن سوادة ! " ، فالحسرة فيها أشد وأبلغ ، كأنه يقول : هبونى تعزيت عن أشبالى ، " لكن سوادة " ! كيف أتعزى عنه ! وهي صرخة مفردة ، يوقف عليها . وسنذكر بعد الرواية الأخرى في رقم : 631 . ومجىء " لكن " بمعنى الرثاء والتفجع والحسرة صحيح في العربية ، ففي حديث سعد ابن خولة رضى اللّه عنه ، حين مات بمكة بعد هجرته ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : " اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة " ، يرثى له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن مات بمكة ، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يكره لمن هاجر من مكة أن يعود إليها أو يقيم بها أكثر من انقضاء نسكه ( ابن سعد 3 / 1 / 297 ) . وفي حديث ابن عمر ، الذي ذكر فيه بكاء الأنصاريات على أزواجهن بعد أحد ، قال : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : " لكن حمزة لا بواكي له " ( مسند أحمد رقم : 4984 ) ، وانظر أيضا -